النافذه التي لا تغلق أبدا
النافذة التي لا تغلق أبدًا
في أحد أقدم الأحياء السكنية بالمدينة، كان هناك منزل قديم مهجور يثير فضول الجميع. لم يكن مهجورًا لأنه لم يجد مشترين، بل لأن الأسطورة تقول إنه "مأهول" بشيء لا يرى بالعين المجردة. الميزة الأكثر غرابة في المنزل هي نافذة الطابق العلوي: بغض النظر عن عدد المرات التي حاول فيها الملاك السابقون أو حتى المستكشفون الحضريون إغلاقها، كانت تفتح من تلقاء نفسها كل ليلة مع حلول الظلام.
"فارس" كان مصممًا معماريًا شابًا، طموحًا ولا يؤمن بالخرافات. عندما عرض عليه أحد المستثمرين شراء المنزل المهجور وتجديده بالكامل ليصبح مشروعًا فندقيًا بوتيكيًا، رأى فارس في ذلك تحديًا وفرصة لإثبات نفسه. قال بثقة: "سأغلق تلك النافذة للأبد!"
بدأ فارس وفريقه أعمال التجديد. كانت الأجواء في المنزل غريبة منذ البداية. برودة غير مبررة في بعض الغرف، أصوات خافتة كأن أحدهم يهمس، وشعور دائم بالمراقبة. لكن فارس تجاهل كل ذلك، معتبرًا إياه مجرد تأثير نفسي للمكان المهجور.
جاء وقت النافذة. كانت نافذة خشبية قديمة، متآكلة، لكنها كانت سليمة بشكل غريب. حاول فارس بنفسه إغلاقها وتثبيتها. أحضر نجارين، ثم عمال بناء. استخدموا أقفالًا ومسامير حديدية وصفائح معدنية لتأمينها. كل ليلة، كانوا يتأكدون من أن النافذة مغلقة بإحكام، بل ومحكمة الغلق.
لكن في كل صباح، كانت النافذة مفتوحة على مصراعيها. لم تكن مكسورة، ولم يكن هناك أي دليل على اقتحام. كانت فقط مفتوحة، كما لو أن يدًا خفية قد فتحتها بلطف. بدأ القلق يتسرب إلى فارس. العمال بدأوا يمتنعون عن العمل بعد غروب الشمس، والهمسات انتشرت بينهم. حتى فارس نفسه بدأ يشعر بضغط نفسي. كان يقف أمام النافذة في منتصف الليل، يحدق فيها، ينتظر أن يرى شيئًا.
وفي إحدى الليالي، بينما كان فارس وحيدًا في المنزل، سمع صوتًا. لم يكن همسًا، بل كان صوتًا واضحًا، ناعمًا، كأن فتاة صغيرة تغني لحنًا حزينًا. كان الصوت يأتي من الخارج، من جهة النافذة المفتوحة. هرع فارس إلى النافذة وفتحها على مصراعيها، متجاهلاً الخوف. كان الظلام دامسًا بالخارج، لا يرى شيئًا. لكن الصوت أصبح أقرب، كأن أحدهم يقف تحت النافذة مباشرة.
"من هناك؟" صرخ فارس، بصوت مرتعش. توقف الغناء. ثم سمع صوتًا آخر، أشبه بالبكاء. بكاء طفولي حزين. بدأ فارس يشعر ببرودة شديدة، ليس من الهواء الخارجي، بل من داخله. شعر وكأن شيئًا ما يلتف حول رقبته.
فجأة، لمح شيئًا في الظلام بالخارج. صورة باهتة لطفلة صغيرة، ترتدي فستانًا أبيض قديمًا، تحدق به بعينين فارغتين. كانت معلقة في الهواء، كأنها لا تقف على الأرض. لم تستطع الطفلة الكلام، لكن فارس سمع صوتها في رأسه: "لا تغلقها... لا تتركني وحدي في الظلام."
تراجع فارس مذعورًا، وسقط على الأرض. أدرك أن النافذة لم تكن تفتح لتخرج شيئًا، بل كانت تفتح لترى العالم. كانت روح الطفلة، أو الكيان الذي يسكن المنزل، يريد أن يرى الخارج، ولا يريد أن يُحكم عليه بالظلام الأبدي.
في الصباح التالي، وُجد فارس جالسًا أمام النافذة المفتوحة، يحدق في الشارع بعيون فارغة، مبتسمًا ابتسامة باهتة. لم يعد يتحدث، ولم يعد يتفاعل مع أحد. لقد أصبح جزءًا من المنزل، واحدًا من الأرواح التي تطلب ألا تُغلق النافذة أبدًا. توقف مشروع التجديد. ظل المنزل مهجورًا كما كان، وظلت النافذة في الطابق العلوي مفتوحة دائمًا، تطل على المدينة الصاخبة. ويقال إن من يمر بالمنزل في منتصف الليل، قد يلمح ظل فارس يقف خلف النافذة، إلى جانبه ظل صغير آخر، وكلاهما ينتظران شخصًا ما ليحاول إغلاق النافذة مرة أخرى.
قصص من الواقع © جميع الحقوق محفوظة.